الثلاثاء، 18 مايو 2010

* الحرية - حطب الثورة *








الحرية - حطب الثورة
---------------------------


قد بينت في مقال لي سابق ان مآل هذا الشعب ماهو الا للثورة ، وقد أوضحت انها ليست بالضرورة ان تكون على شاكلة الثورات العالميه ، بل تلك مع الاتفاق او الاختلاف لوجودها كحل سريع لتغيير السلطه تحتاج الى درجه عاليه من الوعي والادراك والشعور بالقمع الذي يمارس وهذا ماهو بعيد الى هذه اللحظه من عقول الشعب ، ومع ذلك ستكون الثورة على شاكلة تغيير نوعي في ممارسات معينه تستلزم وتجر أخوات لها من التغييرات لبعض الممارسات ، وهذا ما أراه اقرب لحال هذا الشعب ، وبينت كذلك في مقال اخر ان الغضب المتولد مع الايام في نفوس هذا الشعب سيولد يوما ما الانفجار ، وان مانراه بين فترة واخرى من صور غضب الشعب تنبؤنا ببعض ملامح الانفجار القادم .

اليوم مع تناثر حبر هذا القلم اكمل هذه السلسله التي ادونها بين فترة واخرى راصدا فيها نبوئتي بالثورة القادمه ، وعن بعض الملامح لمخاض تلك الثورة .. يقول عبدالرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد : " بفقدان الحرية تفقد الامال وتبطل الاعمال وتفوت النفوس وتتعطل الشرائع " ... على مر الازمان يكون القاسم المشترك لاستبداد السلطه هو القمع للافواه ، خصوصا لتلك المطالبه والمقاتله من اجل سماع رايها وكلمتها للشعب ، فالانسان بطبعه حر في اعتقاده واقواله وافعاله ولايلزمه من ذلك سوى قيود الاخرين والقيود التي يضعها هو بنفسه مما يعتقد به ، اما قيود السلطان التي تغل بها العقول قبل الافواه فهذا ما لايطيقه الانسان العاقل قبل الحر المفكر !


بعين المتأمل اقول ان الممارسات لاستخدام سوط الجلد وسكين الزجر و مال تكميه الألسن ، لهي مقدمات مترابطه تشكل فيما بينها فتيل الانفجار القادم لا محاله مالم يسكب الماء على العين القابله للاشتعال ! .. ومن اخطاء التاريخ التي يعلمها كل عاقل مفكر متدبر ، انه لم يكن باي وقت مضى ، اسلوب المنع هو اسلوب ناجح ترك اثرا ايجابيا ، يشير بتغيير المشكله وحلها بالصورة السلميه ، بل على العكس تماما تشير جميع نتائج هذا الاسلوب البشع الى مايشبه المخدر الذي يوضع للمريض ، فسرعان مايصحوا من اغمائه واذ به يجد ان الجرح قد كثر والالم قد زاد ، وهذا مايبعث اشارة نفسيه عصبيه ان الطبيب قد اخطأ بموضع المخدر ، بل قد يكون اخطأ بالمخدر نفسه ، وهو الامر الذي يجعل حالة الثوران تبلغ اشدها في النفس فلا معقب ولا منأى من معاقبه الطبيب ، وها انا اجد هذا الشعب قد بدأ يصحو بعد تخديره وينظر نظرة الغضب ضد طبيبه الفاشل !


نفس الحريه هو أولى وأوجب من نفس الهواء ، فالعبد يتنفس ، ولكنه لا يعيش ، و الحيوان يتنفس ولكنه لا يدرك ، والنبات يتنفس ولكنه ولايعقل ، و لكن نفس الحريه لا سيما حريه القول هي صميم الحياة ، وركنها المتين الذي وضعه الله تعالي في خلقه ، فما مجيء الاسلام الا ليعطي الانسان قيمته بالحياه ويهب له مائده الحريه يستطعم بها كيف يشاء ، وما يد تمتد لتحتكر تلك المائدة سوى يد الظلم والجور وما مآلها الا القطع على مرأى من مثيلاتها !



مانشهده الان من تعسف في استخدام لغة الانسان ضد الكاتب محمد عبدالقادر الجاسم الا صورة تكمل مثيلاتها ممن سبقها في لوحه الغضب والثورة من اجل الحريه ، ولقد سبقتها ممارسات لاتقل شأنا عنها ، ومالك سوى تقلب صفحات التاريخ وستجد تعليق الدستور ماثلا امامك بجانبها التلويح به والامتنان بوضعه ، وضرب الطائفية لكي يلهى الشعب بتوافهها ، وتقييد الانسان بقوانين العبيد ، ناهيك عن أولئك المهرجين المتكلمين بلسان تفرع من لسان السلطه !


ويكاد التاريخ يعيد نفسه ، اذ يعلمنا التاريخ ان إلغاء كلمة الحرية تستلزم معها وجود الاستبداد ، وهذا يكثر فيه الجهله والذل والطاعه العمياء ، فتسود على اثره الفوضى وأحكام الأهواء ، فليقى العبئ على الطبقة المثقفه وكل من لدية ذرة من الحرية ، فتنتقل الاعداد من الآحاد الى العشرات ، شاعرة بالذل الواقع عليها فتطمع بالتغيير وصولا للأكفأ والأجدر ، وهنا لابد من بيان امر في غايه الاهميه ، وهو ان مقاومة الاستبداد لاتكون بالشده وانما بالحكمة والتدريج وصولا الى الشده اذ يتطلب ذلك سياده العقلاء ، حتى لايرجع الامر الى ماقبل البداية .. أي الى الفوضى !!!



خلاصة ماتقدم ، ان التحرك التائه للدولة يشكل سخطا للشعب ، وهذا مايشبه من يجمع الحطب على اختلاف موالده ، وان ممارسات قمع الحريات من قبل السلطه يولد غضبا للشعب ، وهذا مايشبه من يلم الحطب في موضع ومكان واحد ... اما تهيئه بيئة الاشتعال وكيفيتها وسببها .. هذا ما سنتلمسه من الايام القادمه .. والتي سأرصدها بعين المتأمل الثوري !



يقول عبدالرحمن الكواكبي في الكتاب نفسه : " الامة التي لاتشعر كلها او اكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية " .. وبذلك سنكون هناك من اجل الحرية !

الأربعاء، 5 مايو 2010

* نبي لم يوحى إليه *






* نبـــي لــم يوحــى اليـــه *

-------------------

من الممكن اختصار تاريخ البشرية جمعاء بوصف انواع البشر في سلسلة التاريخ المتطور , فالبشر 3 انواع ، منهم من يقدم الى هذا العالم وبيده ممحاة فيمحو بها ماشاء وكيف شاء , والبعض الثاني يأتي الى العالم وبيده قلم فيكتب ماشاء وكيف شاء ، والقسم الاخير ماهو سوى تلك الاسطر الذي يمحوها الاول او يكتبها الثاني ، فما هو الا مادة

لتلك الصفحات في ايام التاريخ ، الا ان رجل اليوم الذي اعتقد البعض ان ماهو الا نبي من دون رساله ، فهو نبي لم يوحى اليه ، فهو رجل اتى بنوع رابع اقتصر عليه دون سواه واقفل الباب خلفه ، فلم يسعه الا هو ، فأتي وبيده قلم وممحاه ، فكتب تاريخا مستقلا بحد ذاته ، ومحى تاريخا مستقلا بحد ذاته ، ووضع بيده كتاب من صفحات الورق الهزيل ، و مالم يعلمه الكثير ان ذاك الكتاب كان بارودا ينتظر فتيله الانفجار وقنبلة صالحة للاشتعال باي وقت ، وفي حينها انفجارها انتجت آلاف القتلى وملايين الجرحى ، وولدت حينها ذرات كونية هوائية استنشقها جمع كثير ، ومن هنا قيل عنه انه رجل قسم العالم الى قسمين متصارعين للابد ، فحضارة قبل هذا الرجل وحضارة بعده ، فعد علامة تاريخية فارقه لايمكن البته تجاوزها او غض الطرف عنها في تطور التاريخ البشري .

ببزوغ تلك الشمس القادمة من المشرق في مثل هذا اليوم من عام 1818م ، ولد ذاك القلم وتلك الممحاه ، في مدينة ترير الالمانية وبين احضان اسرة يهودية المنشأ تدعى موردخاي ، ابصر ذاك الرجل الذي يدعى كارل ماركس ، بين اجواء مضطهده من قبل الدول المسيحية ضد دينه اليهودي ، فمنعت المانبا عام 1816 م من شغل اليهود للوظائف العامه ، فاعتنق والده هنري ماركس المذهب البروتستاني المسيحي خشية الفقر والقتل .

درس القانون وعشق الفلسفه وحب العلوم الانسانية , وحصل على الدكتوراه في عام 1843م ، عن موضوع ( فلسفة الطبيعة عند كل من ابيقورس ويموقريطس ) ، وهو بنفس العام الذي هاجر فيه الى باريس بسبب محاربته من قبل الحكومات والدول وعلى راسها الالمانية ، وتعرف على رفيق دربه فردريك انجلز ، وتزوج جني فون ويستفالين .

في العشرينيات من عمره تحديدا ، في عامه 26 ، المصادف عام 1844م ، كانت بداية اعتناقه للفكر الإلحادي المادي ، ويرجع البعض هذا الفكر المناقض لفكرة الدين الى سبب التذبذب الذي ابصره في اهله بين المعتقدات الدينية , اضافة الى الاضطهاد المسيحي الواقع على اليهود ، مما ادى الى مراجعته مليا لفكرة الدين الى ان وصل الى تشرب الالحاد المادي او كما يعرف بالمادية الجدلية ، ومن هذا يقول : " ان نقد الدين هو الشرط الأول لكل نقد " .

على يديه وضع الفكر الاشتراكي وعلى يديه تم وضع الاساس الخرساني الغير قابل للمس ناهيك عن الخرق ، للشيوعية ، والتي جعلها قصة لن تموت ، فالفكر الشيوعي هو ليس من اختراع كارل ماركس وليس بفكرة مستحدثه ، ولكنها كحال غيرها من الافكار والمعتقدات مرت بمراحل بشريه تاريخية متطورة ، يرجعها البعض الى افلاطون وتصوره للدولة ، والى ليكرجوس واضع دستور اسبرطه الذي امتد طيلة 800 سنة ، ومرورا بتوماس مور الذي ذكر في كتابه يوتوبيا : " على كر فرد ان يعمل حسب ميوله ولكن لابد ان يعمل الجميع وان توزع ثمار العمل على الجميع " ، وبعد تلك التراكمات يتبين لنا ان الفكر الشيوعي هو فكر قديم نشأ مع تطور حياة الانسان وتصوره للعيش في طبقات المجتمع ، الا ان مافعله كارل ماركس هو انه قد اخذ قلمه وخط خطا عريضا مستقيما فصل به العالم الى قسمين متصارعين الى الابد ، وجعل من الشيوعية قصة لن تموت ، وأفنى حياته في التنظير لهذا الفكر ، ولذلك له اليد العليا في تثبيتها .

تهدف الشيوعية لاقامة مجتمع تسوده المساواة بين المواطنين عن طريق تدخل الدولة ممثلة عن الطبقة العامة بتملك المصانع ووسائل الانتاج بدلا من الافراد واحتكارهم لها ، فالشيوعية مرحلة تاريخية تتلو الاشتراكية ، ولبيان ذلك نقول ان الاشتراكية تحتم ان يكون لكل عمله والنتائج لكل حسب جهده ، وهي طريق للوصول الى الشيوعية الحقه في نهاية المطاف والتي تعني ان تكون النتائج كل بحسب حاجته ، ويفسر البعض ان الشيوعية مذهب سياسي وفكر ثوري يقوم على الالحاد وان المادة اساس كل شئ ، وما التاريخ سوى صراع بين طبقات المجتمع تكون مادته العامل الاقتصادي ، وتحقيقا لهذا يقول كارل ماركس : " الشيوعية هي مرحلة حتمية في تاريخ البشرية تأتي بعد الاشتراكية ومتطور تاريخي لها " .

وسبب ظهور ذلك الفكر وتبني طبقات المجتمع له ، هو ماكانت تعانيه اوربا بشكل خاص من استعباد واستبداد من قبل الطبقة البرجوازية ( اصحاب راس المال ) على طبقة البروليتاريا ( العمال ) ، واضطهاد لا مثيل له سلاحه الاقتصاد والمال خصوصا بعد الثورة الصناعية التي شهدتها اوربا آنذاك ، وهو الامر الذي جعل كثير من نفوس تلك الطبقات المضطهده تتنفس اقوال كارل ماركس بحتمية تحقيق العدالة الاجتماعية بنظام الاشتراكية وصولا للشيوعية ، وهي التي برزت بصورتها الاولى بعد ذاك بوجه لينين الرئيس الاول للاتحاد السوفيتي وهو اول من طبق ذلك الفكر بصورته الواقعية تحت شعار ( الارض .. الخبز .. السلام ) ، عن طريق الثورة البلشفية ، والتي امتدت بعد ذلك عندما تناولت يد ستالين تلك السلسلة الشيوعية وثبت اركانها كونه الرئيس الثاني للاتحاد السوفيتي ، بجانب تلك الصورة تكمن صورة اخرى لا تقل عن شبيهتها وصائغ تلك الصورة هو ماوتسي تونغ الذي حكم دولة الصين 27 عاما ، والذي جعل الاتحاد السوفيتي إلهامه الاول .

الدين افيون الشعوب ، من يدعي من الكائنات الحية الناطقة العاقلة انه لايعرف تلك المقولة !؟ ، ومن يدعي ذلك فلا يمكن البته ان يطلق عليه حيوان ناطق عاقل ، تلك مقولة اطلقها فم كارل ماركس في بيان الحزب الشيوعي الذي لخص فيه حيثيات الفكر الشيوعي العام 1848م ، أي قبيل الثورة الألمانية ، أطلق تلك المقوله فامتدت نطاقها الى الأزل بحركة غير متوقفه مادامت تلك المستديرة الزرقاء تأخذ حقها في الدوران ، اطلق تلك الجمله بجانبها طلقات عده ، فقال ان التاريخ ماهو الا صراع بين طبقات ، ويمكن تليخص ذلك بعلاقة المستغل والمستغل !

شهدت حياته تيه لا مثيل له وضياع في المأوى لا سابق له ، فقد حورب من مجتمعات عدة وحكومات متفرقة و دول كثيرة ، الى ان وصل به المطاف والاستقرار في لندن ، الذي مكث فيها طيلة 34 سنة ، هي الاخيرة من عمره ، وحمل معه شعار : " ياعمال العالم اتحداو " .

لم يتوقف فم كارل ماركس عن اطلاق رصاصات اهتزت بها العالم ، فاطلق رصاصة الرحمة الكبرى على الفكر الرأسمالي بمحتوى يشمل 700 صفحه ركن عليها طيلة 30 سنة وهو كتابه " راس المال " ، في اول مجلد له عام 1867م ، ويقول فيه : " الاقتصاد الحر سيؤدي الى تراكم الثورة مع انفاقها بغير تعقل ، وسينشر البؤس بالعالم " .

بعد تلك الطلقة بدأت قصة وفاته ، التي بدأت بمرضه طيلة 8 سنوات الاخيره من عمره ، عانى فيها الكثير من الألم والتعب والشتات ، وهو الذي ظل أغلب حياته لا ينام سوى 4 ساعات من يومه ، وفي 14 مارس من عام 1883م ، كان كارل ماركس جالسا على كرسيه امام مكتبه فشهق شهقة واحده سلم فيها الروح بعدها ، ودفن بمقبرة هايجات في لندن .


-----------------------------------------------




من أجمل ماقيل : -


- يقول لينين عن بيان الحزب الشيوعي : " مازال حتى يومنا هذا مصدر الوحي والقوة الدافعه للبروليتاريا المكافحة والمنظمه في جميع انحاء العالم المتمدين " .


- يقول جان بول سارتر : " ان الفلسفة الماركسية هي الفلسفة الوحيده في عصرنا الراهن التي لا نستطيع تجاوزها " .


- يقول ماوتسي تونغ : " ان المبادئ الأساسية للماركسية لا يجوز أن تنقض أبدا "


- يقول كارل ماركس في رساله وجهها لابنته وهو في الجزائر عام 1882م ، يقول فيها : " .... اما السبب في ذلك فهو العنصر المغربي ، لأن المسلمين لا يعترفون بشئ اسمه الخضوع ، فهم ليسوا رعية ولا محكومين ولا سلطة هناك الا فيما يختص بالسياسه وهو امر فشل الاوربيون في فهمه تماما ".


وكذلك يقول في رساله لابنته اخرى : " فبعض هؤلاء المغاربة ارتدى ازياء فاخره بل وتنم على الثراء بينما الاخرون لبسوا مايطلق عليه القمصان ، الا ان في نظر المسلم الحقيقي لاتعتبر مثل هذه المصادفات او حسن الحظ او سوءه ، امرا يفرق بين امة محمد عن بعضهم البعض ، هناك مساواة كاملة في تعاملاتهم الاجتماعية " .

الأحد، 4 أبريل 2010

* نقض سياده الامه *







نقض سيادة الامة
---------------

اثناء نشوء مولود الثورة الفرنسية في عام 1789 م ، والتي مازالت الدول الاوربية تتلمس اثار هذه الثورة التي قلبت اوربا راسا على عقب ومازالت مساحيق هذه الثورة بائنه على وجه اوربا الحديثة الى وقتنا الحاضر ، اثناء تلك الثورة برز على السطح مايسمى اعلان حقوق الانسان ، ولمجرد فقط تلفظ اسم هذا الاعلان يجعلك تتأكد ان اوربا آنذاك كانت في معزل بعيد عن ما يسمى بحقوق الانسان ، وهو الامر الذي جعلهم فور الخروج من ظل الكنيسة والملك ان يجعلوا لهم متنفس لحياتهم بحقوق الانسان !

بعد الاتفاق على هذه الحاله للانسان قبل وبعد الثورة , نعود الى ذلك الاعلان ، والذي خرج لنا بمادته الثالثه بمبدأ كان غائب عن اوربا الى ذلك العصر ، وتقول تلك الماده : " مبدأ السياده كلها يكمن اساسا في الامه ولا تستطيع اي هيئة او فرد ان يمارس سلطة لا تكون الامه مصدرها الصريح " , وهو مبدأ " سيادة الامه " , ومن اهم اسباب بروز هذا المبدأ هو ماكان يناقض هذا المبدأ على ارض الواقع وهو مبدأ " السياده للملك " .

مما لا يغيب على ذهن القارئ البسيط ان مبدأ سياده الامه يعني ان الامه بأجمعها وهي الشعب ، تكون هي صاحبة السلطة والامر والسياده اولا وآخرا ، فلا معقب لقرارها ولرأيها وامرها , طالما خرج من فم الامه ، وهو مايجعله يكتب القرار بحجية الامر المقضي فيه وبحصانه ذلك الفم !

ومن دون الإمعان والغوص في معاني ومفاهيم هذا المبدأ نقف عند حد نهاية مفهوم الكلمة التي لاتغيب عن الانسان العادي ناهيك عن المتابع لامور تلك المفاهيم والسياسات , ان فكرة اقتصار السلطة والأمر عند الشعب دون رقابة نصية كفيلة بالردع وزجر ذاك السوط المسلط بيد الامه , لهي فكرة قريبه الى الفوضوية منها الى الانتظام .

ولفقية القانون الدستوري الدكتور عبدالحميد متولي قول مشابه لتلك الفكره ، فهو يقول : " من خصائص السياده كما يذكر رجال الفقه الفرنسي الذين اصطنعوا تلك النظرية ، انها سلطة عليا لاتعرف فيما تنظم من علاقات داخل الدولة ، سلطة عليا اخرى معادلة او منافسه لها او اعلى منها ، اي انها سلطة مطلقه لاحدود ولاقيود "

والغريب في ذلك ان بقية الدساتير للدول الاخرى خصوصا تلك التي تختلف منهجيتها بالحكم في الحياة , مازالت تتبع آثار أقدام الدساتير الفرنسية كنصوص اساسية محصنة لايجوز المساس بها بأي حال من الأحوال سواء من تغيير او تعديل ، وكانها نصوص ومبادئ قد ولدت لتبقى خالده دون اثبات عكسها او باقل تقدير تقيد جزء من اطلاقيتها ، والحد من لجامها الفوضوي .

ومما لا خلاف عليه هو ان ليس هناك منهج لفكرة الكمالية طالما هي نتجت من يد البشرية , فمن ضرورات الحياة ولوازمها هو تغير منهجية العقول والافكار وهو الامر الذي ينتج عنه توالد سياسات متغيرة ، تناسب كل منها بيئة معينة , وكذلك مما لا خلاف عليه ان ما صلح لاحد لايستلزم البته ان يكون تربة صالحة لغيره ، طالما هي من نتاج الفكر البشري المحض ، الا ان المتفق عليه لاصحاب العقول – اكرر العقول – ايا كان الراس الذي وضع به ، ان منهج الكمالية يستلزم منهج الذات الالهية ، لانها صاحبة الكمال المطلق ، ولها الخلق والأمر ، الذي لا معقب له ، وما مناهج تلك العقول والافكار الا للوصول الى ذلك المنهج التشريعي وتطبيقه على ارض الواقع .

ومن هنا حق ان يقال ان اطلاق فكرة سيادة الامه بفوضويتها الحالية المعمول بها في كثير من الدول وخصوصا الاسلامية لهي فكرة عرجاء وفوضوية عمياء لاتستقيم باي حال من الاحوال مع منهجية الحياة تحت كنف الذات الالهيه .

ويعطي الدكتور عبدالحميد متولي مثالا يؤيد تلك الفوضوية من هذا المبدأ فيقول : " فالجمعية النيابية التأسيسية الفرنسية التي انتخبت في ظل مبدأ سيادة الامه والتي رأسها روبسبير ، اتخذت من الاجراءات الاستبدادية ما لا يوجد له مثيل في تاريخ الملوك والقياصرة المستبدين ، وقد ارتكب هذا الاستبداد باسم الامه ، وتحت الرعاية السامية لمبدأ سيادة الامه " .

ان مجرد التفكير ان سلطة الامه وسيادتها في الامر والنهي دون رقيب او معقب ، لهو الادعاء بالحق المطلق والسداد التام ، وهذا مما لايعقل ولا يتصور عند اصحاب العقول !

ويقول الفقيه الفرنسي الكبير بارتلمي : " ان هذا المبدأ - سياده الامه – ينزع بأصحابه الى اعتبار اراده الامه اراده مشروعه ، وان القانون يعد مطابقا لقواعد الحق والعدل ، لا لسبب الا انه صادر عن اراده الامه او ممثليها ، ولذلك فان المبدأ ينسب الى الشعب صفة العصمة من الخطأ ، ولذلك فهو يؤدي بالشعب او بمن يمثله الى الاستئثار بالسلطة المطلقه او الى الاستبداد " ، وهذا ماجعل احد فقهاء فرنسا في تلك الفترة ان يقول : " حينما يتكلم القانون يجب ان يصمت الضمير " .

وان كان حق لي ان اعدل في مقولة قالها يوما الفيلسوف جان بول سارتر عندما قال : " اذا كان الذي يحكم غير خاضع للمحكمه ، فانه لا وجود لحرية حقه " , فمن هذا اقول ، انه اذا كان مبدأ سيادة الامه مطلق الامر والسلطة بلا معقب ، اي غير خاضع لاي محكمة كانت ، فانه لا وجود لحرية حقه ، ولا نظام سليم يتبع ، وما هي سوى الفوضوية !!


---------------------------------------------------------

الأربعاء، 3 مارس 2010

* في ظلال المدينة *







فــي ظــــلال المـــدينـــــة

--------------------------


يجد الناظر في خلود تاريخ البشرية ، ان من قبيل الخلود اقتران البشر ببعضهم البعض لاسيما بالعظماء ، فإذا ما اقترن أمر معين بعظيم ولد هذا من رحم التاريخ ليخلد فيه ، حتى لو كان ذاك من جملة هوامش الحياة ومن حقارتها ، بل حتى لو كان من فئة الحيوانات ، فكم تكلم التاريخ عن كلب و هدهد وعن حمار ونملة !!

إلا أن الامر يختلف هنا ، فعند الحديث عن اقتران عظيم بعظيم فالمسألة تنتهي بخلود الأزل وذل التاريخ واستصغار السير ، وغالب الأمر أن التاريخ يتحدث بلسان الحب وهو يصوغ اسمى مراتب الحب ويعقد اجمل عقود الدر بين هؤلاء ، وهذا الامر يتماثل في البشرية والخلق ، بطبيعة فطرتهم وتكوينهم واعتقادهم ، اما اذا تحدثنا عن من هم اسمى من البشرية ، فبلاغة الحديث تختلف وحسناوات الكلمات تبتهج واسطر التاريخ تلغى .

وهنا فقط ، عند هذا الأهبه نستطيع الحديث عن الأنبياء والرسل – عليهم افضل الصلوات والتسليم – عن من خصوا بالوحي الإلهي والكلام الرباني والقبس النوراني .

وهنا فقط ، تتفجر عيون الدماء وتتسارع ، تعلن حالة الطوارئ القصوى في كل الجسد ، وتتوحد المجاري متجهة قاصدة العقل والتفكير ، فيثور بركان الكلمات وتغلي ينابيع الصياغات ، تعلن أعظم مسابقة لجمال البلاغات ، فتتسابق لترتدي اجمل الثياب وتتعطر بازكى الروائح وتتزين بأبهى المناظر ، فينتقى من اجملهن اجملهن ، ومن أحسنهن أحسنهن ، ثم تجري جري الأنهار نحو قلامة اليد ، فتسكب على ورق التاريخ بقلم الجمال الخالد .

سبحان من قرن حب نبيه بحبه ، وطاعة نبيه بطاعته ، وعظمة نبيه بعظمته ، فكان لزاما على جميع متبعيه حبه وطاعته وعظمته ، وكان لزاما على جميع متبعيه وصاله و قربه.

ان الكتابة عن النبي الأعظم محمد – صلى الله عليه وسلم – لذو شجون ولذو عظمة ولذو خشوع وشغف ، كيف لا ، وقد نطقت الجمادات بحبه و ولهه ، فشتاقت إليه وهي الجماد الذي لايعقل ، إلا انها عظمت في التاريخ بصلتها بالرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم - ، فحن إليه جذع النخله اذ فارقه ، مشتاق لطيب الانس والوصل والقرب ، فنتابه الحزن الشديد والشوف العميق ، وهو الجماد الذي لايعي ، لان الرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم – قد هجره ونواه ، حتى اذا عاد الوصل والأنس و القرب صمت أنين الجذع وفرح وهو بين احضان حبيبه ... ألم تمشي إليه الأشجار تعلن له القرب والوصل .. اذا !! .. فما بال اصحاب العقول والقلوب حبهم له قد قل ، و وصلهم له قد انحل ، وتقديرهم لغيره قد جل !!

ان احوج ماتحتاج اليه هذه الامة في هذا الزمان هو حسن وطيب الوصل برسولها الأعظم – صلى الله عليه وسلم – فبه قد عزت ومنه خرج لنا النور الرباني الذي مازال يشع رغم اسوار الحاقدين في الارض .. ان احوج ماتحتاج اليه تلك الامة المريضة ان تنظر الى شريعتها بعين التابع وبأذن المعتبر ، ثم تترجم ذلك بيد الواقع .

ان الواقف المتأمل على اسوار هذا الدين ليجد من البداهه ان هذا الدين يأبى ان يقتصر بحدود الصدور وبذوات الأرواح والوجدان وينعزل عن الواقع ، ممنوع من ان يمد يده نحو الحياة ومنهجها وسننها ، انه يأبى ان يكون مثل ذلك ، ومن هنا نعلم ان هذا الدين انما منهج متكامل لا ينظر اليه من جانب واحد وزاوية واحده ، وانما لا يكتمل الا بعد ان توضع شرائعه في صورة متناسقه متجانسة ومن ثم تظهر الصورة الجميلة لهذا الدين العظيم .


ان هذا الدين لا يمكن تصورة ولا تشكيله على هيئة افراد متفرقين ، او بصورة مقسمة وبألوان محدده ، فهو على العكس من ذلك تماما ، فهذا الدين يربي الافراد بالمجتمع ، ويلون الصور بأبوان متعدده جميلة متناسقه تنسجم مع سنن الحياة ومتغيراتها ، تحت ظل المنهج الرباني .

ومع قدر رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – في قلوبنا وأرواحنا الا ان هذا الدين قد علمنا ان الاستسلام لا يكون الا للخالق عزوجل وحده دون احد من خلقه ، فالذات الإلهيه تأبى ان يشاركها مخلوق وتمنع من اقترانها بمولود ، وتجعل علاقة المخلوق بالخالق عزوجل علاقة تمتد لها ايادي المحبة وتعتصم بحبال الطاعة .


ان اليد البشرية لتأبى ان تخط كلمات الحب برسولها الأعظم – صلى الله عليه وسلم – بما هو أهل لذلك وما هو على قدر الوفاء ، انها لتجد من الاستحالة مهما بلغت كلماتها من التطابق الجميل والتجانس الرائع ان تصيغ حروفا تفي بعظمته ، واذ هي بذلك تجد نفسها في النهاية ان ماقدمته ما هو الا رسالة اعتذار عن عدم الكمال والوفاء ، وماهو سوى الطمع بالشوق لنيل الغاية والمنال وهي الرضى وقبول الاعتذار .

وعند هذه السجادة الخضراء التي جلست تحتها فقط ، تسكب العبرات ، وهنيئا لها ذلك ، وعندها فقط تحكى الحكايات ، وما اروعها هنالك ، وفيها فقط تروى الحكم ، وهي الأجدر بذلك .

دعوني .. فالقلب قد دعاه هواه ، وتشوف لرؤية مناه ، وتفطر من ألم صداه ، واشتاق لنيل رضاه .



( اكتب هذا المقال وانا اتقلب فرحا بين السماء والارض .. فتارة على السجاد الاخضر بين المنبر والمنزل ، واخرى على السجاد الاحمر بين العبد والعبد .. في طيبة المدينة المنورة على صاحبها افضل الصوات والتسليم )