الأحد، 4 أبريل، 2010

* نقض سياده الامه *







نقض سيادة الامة
---------------

اثناء نشوء مولود الثورة الفرنسية في عام 1789 م ، والتي مازالت الدول الاوربية تتلمس اثار هذه الثورة التي قلبت اوربا راسا على عقب ومازالت مساحيق هذه الثورة بائنه على وجه اوربا الحديثة الى وقتنا الحاضر ، اثناء تلك الثورة برز على السطح مايسمى اعلان حقوق الانسان ، ولمجرد فقط تلفظ اسم هذا الاعلان يجعلك تتأكد ان اوربا آنذاك كانت في معزل بعيد عن ما يسمى بحقوق الانسان ، وهو الامر الذي جعلهم فور الخروج من ظل الكنيسة والملك ان يجعلوا لهم متنفس لحياتهم بحقوق الانسان !

بعد الاتفاق على هذه الحاله للانسان قبل وبعد الثورة , نعود الى ذلك الاعلان ، والذي خرج لنا بمادته الثالثه بمبدأ كان غائب عن اوربا الى ذلك العصر ، وتقول تلك الماده : " مبدأ السياده كلها يكمن اساسا في الامه ولا تستطيع اي هيئة او فرد ان يمارس سلطة لا تكون الامه مصدرها الصريح " , وهو مبدأ " سيادة الامه " , ومن اهم اسباب بروز هذا المبدأ هو ماكان يناقض هذا المبدأ على ارض الواقع وهو مبدأ " السياده للملك " .

مما لا يغيب على ذهن القارئ البسيط ان مبدأ سياده الامه يعني ان الامه بأجمعها وهي الشعب ، تكون هي صاحبة السلطة والامر والسياده اولا وآخرا ، فلا معقب لقرارها ولرأيها وامرها , طالما خرج من فم الامه ، وهو مايجعله يكتب القرار بحجية الامر المقضي فيه وبحصانه ذلك الفم !

ومن دون الإمعان والغوص في معاني ومفاهيم هذا المبدأ نقف عند حد نهاية مفهوم الكلمة التي لاتغيب عن الانسان العادي ناهيك عن المتابع لامور تلك المفاهيم والسياسات , ان فكرة اقتصار السلطة والأمر عند الشعب دون رقابة نصية كفيلة بالردع وزجر ذاك السوط المسلط بيد الامه , لهي فكرة قريبه الى الفوضوية منها الى الانتظام .

ولفقية القانون الدستوري الدكتور عبدالحميد متولي قول مشابه لتلك الفكره ، فهو يقول : " من خصائص السياده كما يذكر رجال الفقه الفرنسي الذين اصطنعوا تلك النظرية ، انها سلطة عليا لاتعرف فيما تنظم من علاقات داخل الدولة ، سلطة عليا اخرى معادلة او منافسه لها او اعلى منها ، اي انها سلطة مطلقه لاحدود ولاقيود "

والغريب في ذلك ان بقية الدساتير للدول الاخرى خصوصا تلك التي تختلف منهجيتها بالحكم في الحياة , مازالت تتبع آثار أقدام الدساتير الفرنسية كنصوص اساسية محصنة لايجوز المساس بها بأي حال من الأحوال سواء من تغيير او تعديل ، وكانها نصوص ومبادئ قد ولدت لتبقى خالده دون اثبات عكسها او باقل تقدير تقيد جزء من اطلاقيتها ، والحد من لجامها الفوضوي .

ومما لا خلاف عليه هو ان ليس هناك منهج لفكرة الكمالية طالما هي نتجت من يد البشرية , فمن ضرورات الحياة ولوازمها هو تغير منهجية العقول والافكار وهو الامر الذي ينتج عنه توالد سياسات متغيرة ، تناسب كل منها بيئة معينة , وكذلك مما لا خلاف عليه ان ما صلح لاحد لايستلزم البته ان يكون تربة صالحة لغيره ، طالما هي من نتاج الفكر البشري المحض ، الا ان المتفق عليه لاصحاب العقول – اكرر العقول – ايا كان الراس الذي وضع به ، ان منهج الكمالية يستلزم منهج الذات الالهية ، لانها صاحبة الكمال المطلق ، ولها الخلق والأمر ، الذي لا معقب له ، وما مناهج تلك العقول والافكار الا للوصول الى ذلك المنهج التشريعي وتطبيقه على ارض الواقع .

ومن هنا حق ان يقال ان اطلاق فكرة سيادة الامه بفوضويتها الحالية المعمول بها في كثير من الدول وخصوصا الاسلامية لهي فكرة عرجاء وفوضوية عمياء لاتستقيم باي حال من الاحوال مع منهجية الحياة تحت كنف الذات الالهيه .

ويعطي الدكتور عبدالحميد متولي مثالا يؤيد تلك الفوضوية من هذا المبدأ فيقول : " فالجمعية النيابية التأسيسية الفرنسية التي انتخبت في ظل مبدأ سيادة الامه والتي رأسها روبسبير ، اتخذت من الاجراءات الاستبدادية ما لا يوجد له مثيل في تاريخ الملوك والقياصرة المستبدين ، وقد ارتكب هذا الاستبداد باسم الامه ، وتحت الرعاية السامية لمبدأ سيادة الامه " .

ان مجرد التفكير ان سلطة الامه وسيادتها في الامر والنهي دون رقيب او معقب ، لهو الادعاء بالحق المطلق والسداد التام ، وهذا مما لايعقل ولا يتصور عند اصحاب العقول !

ويقول الفقيه الفرنسي الكبير بارتلمي : " ان هذا المبدأ - سياده الامه – ينزع بأصحابه الى اعتبار اراده الامه اراده مشروعه ، وان القانون يعد مطابقا لقواعد الحق والعدل ، لا لسبب الا انه صادر عن اراده الامه او ممثليها ، ولذلك فان المبدأ ينسب الى الشعب صفة العصمة من الخطأ ، ولذلك فهو يؤدي بالشعب او بمن يمثله الى الاستئثار بالسلطة المطلقه او الى الاستبداد " ، وهذا ماجعل احد فقهاء فرنسا في تلك الفترة ان يقول : " حينما يتكلم القانون يجب ان يصمت الضمير " .

وان كان حق لي ان اعدل في مقولة قالها يوما الفيلسوف جان بول سارتر عندما قال : " اذا كان الذي يحكم غير خاضع للمحكمه ، فانه لا وجود لحرية حقه " , فمن هذا اقول ، انه اذا كان مبدأ سيادة الامه مطلق الامر والسلطة بلا معقب ، اي غير خاضع لاي محكمة كانت ، فانه لا وجود لحرية حقه ، ولا نظام سليم يتبع ، وما هي سوى الفوضوية !!


---------------------------------------------------------